أخبار
الشراكة الاستراتيجية بين مصر والصين في كافة المجالات

الشراكة الاستراتيجية بين مصر والصين في كافة المجالات
في هذا العام تحتفل مصر والصين بالذكرى السنوية الخامسة والستين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وذلك في الوقت الذي تشهد العلاقات الثنائية بينهما عصرا ذهبيا في ضوء الصداقة المتميزة بين الرئيسين عبد الفتاح السيسي وشي جين بينغ. وشهدت العلاقات الصينية- المصرية تطورا ملموسا على جميع الأصعدة وفي كافة المجالات خلال السنوات الخمس والستين الماضية وأثبتت قدرتها على مواكبة التحولات الدولية والإقليمية والداخلية، وتجلّت مؤخرا في الزيارات المتبادلة بين زعماء الدولتين ومسؤوليهما. كما أن الزخم القوي للزيارات عالية المستوى بين مصر والصين يعكس الآفاق الواسعة للعلاقات الصينية- المصرية على مدار التاريخ.
وقد مرت العلاقات الراهنة بين مصر والصين في تطورها التاريخي بمراحل عدة. وتجسدت بدايتها في اللقاء الذي جمع بين الرئيس المصري جمال عبدالناصر ورئيس مجلس الدولة الصيني شو إن لاي في أبريل عام 1955 خلال مشاركتهما في مؤتمر باندونج بإندونيسيا، واتفاقهما على إقامة علاقات دبلوماسية رسمية تم تدشينها في العام التالي مباشرة.
ومنذ التدشين الرسمي لهذه العلاقات، وعلى مدار ما يقرب من 65 عاما، تبادلت كل من مصر والصين الدعم وقامتا بتعزيز التعاون فيما بينهما في كافة المجالات؛ فمن جانبها، دعمت مصر عضوية جمهورية الصين الشعبية في الأمم المتحدة، وتتمسك بمبدأ “صين واحدة”، كما تدعم مبدأ “دولة واحدة ونظامان” في منطقة هونج كونج الإدارية الخاصة.
وعلى الجانب المقابل، قامت الصين بمساندة مصر إزاء جميع التحديات التي واجهتها، حيث أيدت القرار المصري بتأميم شركة قناة السويس، وأدانت العدوان الثلاثي عام 1956. كما تدعم جهود مصر في مكافحة الإرهاب والتطرف باعتباره عدوا مشتركا للبلدين. كما تبنت الصين موقفا مؤيدا لاختيارات الشعب المصري خلال ثورتي 25 يناير 2011 و30 يونيو 2013، وأعلنت رفضها لأي تدخل خارجي في الشأن الداخلي.
وتتسم العلاقات السياسية بين مصر والصين بخصوصية شديدة، من حيث توافق رؤاهما بشأن دعم الحلول السلمية والدبلوماسية للأزمات والصراعات في منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك الوضع في سوريا والعراق وليبيا، وكذلك يتجلى بوضوح موقف بكين الثابت الداعم لحل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي بالطرق الدبلوماسية في ضوء قرارات الأمم المتحدة. وعلاوة على ذلك، يسعى البلدان إلى تعزيز التعاون الدولي في عصر العولمة وتحقيق أقصى استفادة من مبادرة “الحزام والطريق” التي أطلقها الرئيس الصيني شي جين بينغ عام 2013، وكانت مصر من أوائل الدول التي أعلنت مساندتها ومشاركتها في هذه المبادرة.
وكان للمتغير القيادي دورا مهما فيما وصلت إليه العلاقات الثنائية بين مصر والصين في الوقت الراهن. بداية من جمال عبدالناصر وشو إن لاي، وصولا إلى الرئيسين عبدالفتاح السيسي وشي جين بينغ، اللذين كان لهما دور كبير في دفع العلاقات الثنائية إلى الأمام. وفي هذا الصدد قام الرئيس السيسي بزيارة الصين ست مرات منذ عام 2014، كما قام الرئيس الصيني شي جين بينغ بزيارة تاريخية إلى مصر عام 2016، فضلا عن إطلاق حوار استراتيجي مشترك على مستوى وزيري خارجية البلدين في عام 2014، وهو ما أفسح المجال لقرار مشترك بمواصلة الارتقاء بالشراكة الاستراتيجية الثنائية الشاملة لتواكب العصر الجديد المرتقب، وذلك خلال الزيارة التي قام بها وانغ يي عضو مجلس الدولة، وزير الخارجية الصيني، إلى مصر في يناير عام 2020. كما تبادل الرئيسان السيسي وشي المكالمات والرسائل عشرات المرات خلال فترة وباء فيروس كورونا الجديد كوفيد -19.
يقول المثل العربي “الصديق قبل الطريق” ويقول الصينيون “الفهم المتبادل كنز ثمين للأصدقاء”. وانطلاقا من هذا يواصل البلدان الصديقان الصين ومصر بذل جهود دؤوبة لتحقيق المزيد من التطلعات والآمال المشتركة في التنمية وإنماء وتوسيع آفاق التعاون بينهما وكتابة فصل أكثر جمالا في علاقاتهما الاستراتيجية الشاملة، وفي هذا الإطار، يمكن رصد أبرز ما شهده البعد الاقتصادي والتجاري من مؤشرات وملامح دالة على ذلك خلال العامين الماضيين. ويأتي على رأس تلك المؤشرات، قيام البلدين بإبرام العديد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم وبروتوكولات التعاون في إطار مبادرة “الحزام والطريق”، شملت مجالات: الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والتنمية البشرية والتدريب والذكاء الاصطناعي، والصناعة.
ومن ناحية أخرى، يعد حرص البلدين على المشاركة في الأحداث والفعاليات الاقتصادية والتجارية الدولية الكبرى التي يتم تنظيمها في كليهما أحد الأبعاد الأخرى المهمة في العلاقات الاقتصادية والتجارية بينهما. فعلى سبيل المثال، شاركت مصر في الدورة الثانية لمنتدى الحزام والطريق للتعاون الدولي ببكين في أبريل 2019، وشاركت أيضا في المعرض الاقتصادي التجاري الصيني – الإفريقي الأول بمدينة تشانغشا عاصمة مقاطعة هونان في يونيو 2019، كما تحرص على المشاركة في معرض الصين الدولي للاستيراد الذي يعقد في شانغهاي في نوفمبر من كل عام. علاوة على مشاركتها ممثلة بوزير خارجيتها سامح شكري في يونيو 2020، بمؤتمر “تعزيز التعاون الدولي للحزام والطريق ومحاربة مرض فيروس كورونا الجديد (كوفيد – 19) معا”.
وعلى الجانب الصيني، أقيم في سبتمبر 2019 المعرض التجاري الصيني بالقاهرة في نسخته السادسة بمشاركة 195 مصنعا من الصين. وفي أكتوبر 2019، نظمت هيئة تنمية الصادرات منتدى التعاون الاقتصادي المصري – الصيني مع وفد مقاطعة هونان الصينية. كما تحرص الشركات والمؤسسات الصينية، ومنها شركة (هواوي) للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، على المشاركة في معرض القاهرة الدولي للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وقد شاركت الشركة في آخر 12 نسخة من المعرض، ما يعكس سياستها في دعم استمرارية تطوير قطاع المعلومات والاتصالات في مصر. كما شاركت 5 شركات صينية في الدورة الثالثة من معرض ومؤتمر النقل الذكي للشرق الأوسط وأفريقيا بالقاهرة في نوفمبر 2020.
وتعتبر التجارة الثنائية بين الجانبين هي أحد السمات المهمة للعلاقات الاقتصادية بين البلدين، إذ تعد الصين أكبر شريك تجاري لمصر. وعلى الرغم من حدوث زيادة في صادرات الحاصلات الزراعية المصرية إلى الصين في عام 2019، إلا أن حجم التبادلات التجارية بين البلدين شهد إنخفاضا طفيفا خلال العام المذكور، إذ بلغ إجمالي حجم تجارة البضائع بينهما – وفقا لبيانات مصلحة الجمارك الصينية – 10.6 مليار دولار في الفترة ما بين يناير وأكتوبر 2019، منها 943 مليون دولار صادرات مصرية إلى الصين، وهو ما يمكن إرجاعه إلى الانخفاض الحاد في صادرات مصر النفطية إلى الصين. وتتضح الصورة أكثر بالمقارنة بحجم التبادل التجاري بين البلدين في عام 2018، والذي بلغ نحو 13.8 مليار دولار، منها 1.83 مليار دولار صادرات مصرية إلى الصين، وهو رقم يتحقق لأول مرة في تاريخ التبادل التجاري بين البلدين.
وطبقا لأرقام وبيانات السفارة الصينية بالقاهرة، فقد صمدت التجارة بين الصين ومصر في عام 2020 أمام اختبار وباء (كوفيد -19)، وأظهرت نموا مطردا، بحيث يمكن التأكيد معه على اعتبار الصين ما زالت هي الشريك التجاري الأكبر لمصر. فوفقا لإحصاءات الجمارك الصينية، فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين خلال الفترة من يناير إلى نوفمبر 2020 نحو 12.895 مليار دولار، بزيادة قدرها 10٪ على أساس سنوي. وبلغت صادرات الصين لمصر خلال الفترة المذكورة 12.06 مليار دولار، بزيادة سنوية 12.2٪، بينما بلغت صادرات مصر إلى الصين 835 مليون دولار، بإنخفاض سنوي قدره 14.6٪، نتيجة الانخفاض الحاد في صادرات منتجات النفط والغاز، وأشارت السفارة الصينية إلى أن الصين تدعم مصر في إنشاء مركز إقليمي للطاقة وتأمل في زيادة واردات الطاقة من مصر.
ويبلغ حجم الاستثمارات الصينية في مصر في عام 2019، نحو 7 مليارات دولار وفرت نحو 40 الف فرصة عمل للمواطنين المصريين. كما زاد حجم الاستثمارات الصينية المباشرة في مصر بمقدار 74.9 مليون دولار في الفترة من يناير إلى سبتمبر 2019، بزيادة قدرها 66% مقارنة بنفس الفترة من العام 2018، وذلك في مجالات متعددة منها تصنيع الأجهزة المنزلية وإنتاج الدراجات النارية والاقتصاد الزراعي. وفي عام 2020، تجاوزت استثمارات الصين في مصر 7.7 مليار دولار، ووفقا لإحصاءات وزارة التجارة الصينية، فقد بلغ الاستثمار الصيني المباشر الجديد في مصر خلال الفترة من يناير إلى سبتمبر من العام المذكور 89.33 مليون دولار، بزيادة 19.3٪ عن نفس الفترة من العام 2019.
وارتباطا بما سبق، لا يمكن الحديث عن الاستثمارات الصينية في مصر بمعزل عن التطرق إلى دور الشركات الصينية الملموس في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية في مصر، وما حققته من نتائج متميزة بهذا الشأن. حيث أصبحت منطقة السويس للتعاون الاقتصادي والتجاري بين الصين ومصر والمعروفة اختصارا باسم (تيدا) منطقة صناعية تتمتع بأفضل بيئة شاملة، وأعلى كثافة استثمارية وأعلى وحدة إنتاج في مصر. حيث اجتذبت 96 مؤسسة وشركة للعمل فيها باستثمارات فعلية تجاوزت 1.25 مليار دولار، بينما تجاوزت المبيعات التراكمية 2.5 مليار دولار، وتم دفع ضرائب ورسوم للخزينة العامة المصرية بنحو 176 مليون دولار، وتوظيف نحو 4000 شخص بشكل مباشر.
وعلى الرغم من جائحة كورونا، فقد استمرت المشروعات الصينية في مصر في العمل بشكل طبيعي. ومن المتوقع أن تتجه الشركات الصينية إلى توسيع استثماراتها في مصر في فترة ما بعد الجائحة. وفي هذا الإطار، انتهت الشركة الصينية العامة للهندسة الإنشائية (CSCEC) من إنجاز ما يزيد عن 20% من أعمال المرحلة الأولى لمشروع منطقة الأعمال المركزية بالعاصمة الإدارية الجديدة، وتشمل بناء أطول ناطحة سحاب في إفريقيا (البرج الأيقوني). وقد تم إكمال الهيكل الرئيسي لأربعة مباني فيها، بما فيها أعلى مبنى في قارة إفريقيا. ويقترب اكتمال مشروع توسيع ميناء العين السخنة الذي أبرمته شركة الصين لهندسة المواني (CHEC)، كما يسير مشروع السكك الحديدية في مدينة العاشر من رمضان بسلاسة، وسيصبح أول خط سكة حديد كهربائي في مصر، ويقوم بتنفيذه تحالف صيني مكون من شركة (AVIC) الدولية القابضة والشركة الصينية لإنشاء السكك الحديدية المحدودة. كما جرى الانتهاء من خطوط نقل الكهرباء في بعض المناطق في مصر بمسافة 1210 كيلو مترات. هذا بالإضافة إلى تأسيس الصين أول مركز لتجميع وتركيب واختبار الأقمار الصناعية في مصر، فضلا عن مشروع القمر الصناعي (مصر سات لتصبح مصر أول دولة تمتلك القدرة على تركيب وتجميع واختبار الأقمار الصناعية في إفريقيا.
يشهد العالم اليوم عدم استقرار وتواجه التنمية تحديات كثيرة ولكن كلا من مصر والصين وشعبيهما ومعظم دول العالم يجمعون على أن التنمية أفضل من الفقر، وأن الاستقرار أفضل من الفوضى والسلام أفضل من المظاهرات وقد أكد الرئيس السيسي على ضرورة تعزيز التلاحم بين رؤية مصر 2030 ومبادرة الحزام والطريق، وهو ما يتم الآن بالفعل من خلال تاسيس شراكة استراتيجية شاملة في كافة القطاعات والمجالات، وهو ما يعزز بالفعل العلاقات بين البلدين.


