أخبار
معركة التعليم وانقاذ امة من الخطر

معركة التعليم وانقاذ امة من الخطر
فى مطلع الثمانينيات من القرن الفائت فوجئ المسؤولون بالولايات المتحدة الامريكة بتأخر الطلاب كثيرا فى الرياضيات والعلوم الطبيعية، وأنهم متراجعون أمام طلبة أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية فى المسابقات الدولية التى يشتركون بها، مما يعنى التأخر فى كثير من الأصعدة فى وظائفهم المستقبلية، لأن الرياضيات والفيزياء هما أساس أى تقدم تكنولوجى وتقنى، ومن ثم تراجعهم فى هذه المواد يعنى تراجع الولايات المتحدة عن التسيد الإمبراطورى.
لذلك صدر قرار من الرئيس الأمريكى «رونالد ريجان» فى عام 1982 بتشكيل لجنة تحت الإشراف المباشر من البيت الأبيض، من صفوة الخبراء التعليميين والتربويين فى الولايات المتحدة، تكونت من ثمانية عشر شخصا، مكثت فى عملها قرابة العام، خلصت بعده إلى أهم وثيقة بشأن التعليم فى التاريخ المعاصر تحت عنوان «A Nation At Risk» (أمة فى خطر)، أى أن أقوى دولة فى العالم كانت ترى أنها فى خطر، احتوت هذه الوثيقة على ثمانى وثلاثين توصية تفصيلية لإعادة هيكلة التعليم الأمريكى بالكامل، وأوصت صفوة الخبراء بأن يتم تطبيق نتائج تقريرهم فورا، لأن الخلل فى منظومة التعليم لا يحتمل التآخى، وهو ما تم تنفيذه فعلا دون أدنى إرجاء، وهنا يجب الأخذ فى الاعتبار أن مشكلاتهم لم تكن بالغة الخطورة ولم يكن وضعهم التعليمى فى حالة كارثية كما هو الواقع المصرى الحالى، واعتبر خبراء أمة فى خطر أن ثلاث سنوات هى الحد الأقصى لمرحلة الإصلاح، وهذا يعنى التنفيذ فى مدى زمنى قصير خال من أى تباطؤ أو مماطلة بيروقراطية، وهكذا بعد الوقوف على ثغرات النظام الفيدرالى التعليمى فى الولايات المتحدة بدأت خطوات الحل، باتباع تغييرات جذرية فى المنظومة، وكان من أعظم القرارات ابتكار اختبار الكفاية الأمريكى للمعلمين، وتحسين أوضاعهم المادية ورفع كفاءتهم التعليمية.
الاهتمام بتطوير التعليم لا يعنى فقط سعى الحكومة لتقديم خدمة أفضل لفئة من الشعب، ولكنه فى الحقيقة معركة مهمة لمصلحة مستقبل هذا الوطن، فالتعليم قضية أمن قومي، لأنه أحد الأسلحة الأساسية فى حربنا ضد التطرف والجهل والإرهاب، وهو الوسيلة المثلى لإعداد أجيال جديدة للمستقبل قادرة على قيادة قاطرة التنمية فى مختلف المجالات، وهو العامل الأبرز فى الحراك الاجتماعى الذى تشهده أى دولة.
وإذا ما تفحصنا التاريخ الحديث عن دور التعليم فى نهضة الدول، وازدهارها، سنجد اكثر التجارب إلفاتا ومدعاة للانتباه، هي التجربة الفيتنامية، تلك الدولة التى تقع فى جنوب شرق أسيا، التى تقارب مصر فى عدد سكانها تفوقت فى التعليم على مستعمريها السابقين، الذين اعتبروها دولة متهالكة، وقتلوا منها أكثر من خمسة ملايين إنسان حتى انتهاء حروبها عام 1975، وكانت وقتها واحدة من أفقر دول العالم، لكنها واصلت العمل على التعليم بكل جدية ودأب، فتفوقت على الولايات المتحدة فى التعليم مثلما تغلبت عليها من قبل فى الحرب، حيث احتلت المركز (12) فى عام 2015 فى تصنيف منظمة التعاون والتنمية «OFCD» التى تجرى اختبار «PISA» وهو برنامج لتقييم الطلبة يعتبر المعيار الدولى الرئيسى لقياس جودة الأنظمة التعليمية فى البلدان المختلفة، شاركت فيتنام فى هذا الاختبار لأول مرة فى عام (2012) حيث احتلت المرتبة (17) فى الرياضيات، وفى العلوم، و(19) فى القراءة متقدمة على الولايات المتحدة التى احتلت المراتب (36) و(28)، و(23) فى نفس المواد على التوالى، أما فى التصنيف العالمى الصادر عن المنظمة فى مايو (2015) على أساس العلوم والرياضيات، فاحتلت فيتنام المرتبة (12) بينما احتلت الولايات المتحدة المرتبة (28). وأشارت النتائج إلى أن ما يقرب من (17%) من الطلبة الأشد فقرا فى فيتنام البالغين من العمر (15) عاما هم فى مقدمة الـ(25%) الأعلى تقييما عالميا. هنا يتبادر للذهن التساؤل وماذا بعد؟ أو ما الذى أسفر عنه هذا الصعود اللافت فى مجال التعليم؟ الإجابة غاية فى السهولة.
لقد أصبحت فيتنام النمر الأكثر وثوبا الآن من بين النمور الآسيوية، وتحولت من أفقر دولة فى جنوب شرق آسيا إلى معجزة اقتصادية، وأصبح من المعروف أن واحدا من كل عشرة هواتف محمولة تنتج حول العالم يتم تصنيعه فى فيتنام، التى استطاعت تحقيق معدلات نمو واستثمار عالية بثبات على مدى السنوات الأخيرة، بعد ثورة التعليم التى أسست لقاعدة عريضة، عززت مجالات سوق العمل والتكنولوجيا والتصنيع والإدارة العصرية.
بكل تأكيد مصر بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسيى تريد مشروعا طموحا لتغيير منظومة التعليم ،وإنشاء نظام تعليمى يهييء جميع الطلاب لمستقبل مثمر وناجح من خلال منظومة مرنة تعزز ثقافة التميز والإبداع والابتكار وتستعين بالتكنولوجيا لتوفير مزيد من المهارات للشباب والتكيف مع مختلف التغيرات ، وأن يكون هذا التطوير قائما على رؤية وطنية مشتركة ويتصل بأهداف التنمية الشاملة، وتسعى الحكومة المصرية جاهدة، لتحقيق عوامل المنطومة التعليمية المتطورة بناء المهارات الأساسية من الطفولة المبكرة والتأكد من أن المعلمين وقادة المدارس مؤهلون ويتم تحفيزهم للتطوير المهنى وتحديث علم التربية والممارسات التعليمية وتعزيز قيم الإبداع والابتكار ومعالجة تحدى لغة التدريس بين العربية العامية والفصحى ومتابعة تطور الطلاب وتعلمهم بانتظام والاستعانة بالتكنولوجيا، هى بحد ذاتها المحاور التى تضمنها نظام التعليم المصرى الجديد.
ولكن من المهم أن نعلم أن تغيير منظومة التعليم سيواجه مقاومة من بعض أصحاب المصلحة فى الإبقاء على النظام القديم، سواء من أباطرة الدروس الخصوصية الذين لن يكون لهم أهمية مع تطبيق المنظومة الجديدة، أو من بعض أطراف العملية التعليمية غير القادرين على استيعاب دورهم فى النظام الجديد، أو حتى بعض أولياء الأمور الذين لم يتعرفوا على تفاصيل المنظومة الجديدة بشكل كامل.
وتبقى قضية الوعى لدى جميع الأطراف، بأهمية تطوير التعليم المصري ،والإدراك بأنة المدخل الحقيقى لمستقبل مصر، لذلك يتعين علينا فى معركة التعليم ان نواجها دون ادني تاجيل ، أنها المواجهة المصيرية التى لا بديل عنها من أجل بناء وتأمين الغد، وبلا مواربة هى المنعطف الحرج والإجبارى الأخطر فى مسار النهضة، فكل تأخير فى اختراق أزمة تدهور التعليم سوف يكبد الأجيال المقبلة ضريبة فادحة، وبقاء الهوة التى لحقت بجوانب العملية التعليمية عبر عقود طويلة لن تقتصر نتائجها على الإضرار بالفرد فقط، لكن أثرها سوف يمتد إلى جوهر وجود الدولة المصرية التى صمدت طوال تاريخها للمخاطر والمحن، إن قبول التحدى فى مسألة التعليم ،غير قابل لترف التأجيل، أو ارتباك الحسابات والحيرة بسبب نقص الإمكانيات وضعف الموارد، وبلا مبالغة فإن الاختراق المباشر والسريع لملف التعليم يجب أن يكون ضروة يفرضها استشراف الغد القريب قبل البعيد، دون وجل من معوقات منتظرة وأثار جانبية متوقعة، ودون التفات لطابور من المتربصين.



